الشيخ السبحاني

98

رسائل ومقالات

الكلام ، وحاول بذلك القضاء على فكرة أهل الحديث المحرّمين لعلم الكلام والبحوث العقلية . فمع أنّ الإمام تاب عن الاعتزال والتحق بركب الحنابلة ، فمع ذلك استحسن الخوض في علم الكلام . ولما كانت الرسالة تحتوي على نكات بديعة تعرب عن رسوخ الرجعيّة بين أهل الحديث وتعالج ذلك الداء العضال ، فقد ارتأينا الإتيان بنصّها . قال بعد التسمية والحمد والتسليم : رسالة الإمام الأشعري في استحسان الخوض في علم الكلام « 1 » أمّا بعد فإنّ طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم ، وثقل عليهم النظر والبحث عن الدين ، ومالوا إلى التخفيف والتقليد ، وطعنوا على من فتّش عن أُصول الدين ونسبوه إلى الضلال ، وزعموا أنّ الكلام في الحركة والسكون والجسم والعرض والألوان والأكوان والجزء والطفرة وصفات الباري عز وجلّ بدعة وضلالة ، وقالوا : لو كان هدى ورشاداً لتكلّم فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخلفاؤه وأصحابه ! قالوا : ولأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يمت حتّى تكلم في كلّ ما يحتاج إليه من أُمور الدين ، وبيّنه بياناً شافياً ، ولم يترك بعده لأحد مقالًا فيما للمسلمين إليه حاجة من أُمور دينهم ، وما يقربهم إلى اللَّه عزّ وجلّ ويباعدهم عن سخطه ؛ فلما لم يرووا عنه الكلام في شيء ممّا ذكرناه ، علمنا أنّ الكلام فيه بدعة ، والبحث عنه ضلالة ، لأنّه لو كان خيراً لما فات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولتكلّموا فيه ، قالوا : ولأنّه ليس يخلو ذلك من وجهين : إمّا أن يكونوا علموه فسكتوا عنه ، أو لم يعلموه بل جهلوه ، فإن كانوا

--> ( 1 ) . الرسالة طبعت للمرّة الثالثة في حيدرآباد الدكن ( الهند ) عام 1400 ه / 1979 م ، كما طبعت في ذيل كتاب اللمع للأشعري أيضاً .